ابراهيم بن عمر البقاعي

267

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكر قلة خيرهم المستندة إلى تهكمهم باليوم الذي ذكروا به بالأمر بالاتقاء والتعليل بترجي الرحمة ، أتبعه حكاية استهزاء آخر منهم دال على عظيم جهلهم بتكذيبهم بما يوعدون على وجه التصريح بذلك اليوم والتصوير له بما لا يسع من له أدنى مسكة غير الانقياد له فقال : وَيَقُولُونَ أي عادة مستمرة مضمومة إلى ما تقدم مما يستلزم تكذيبهم ، وزادوا بالتعبير بأداة القرب في تقريعهم إشارة إلى أنكم زدتم علينا في التهديد به والتقريب له حتى ظن أنه مصبحنا أو ممسينا ولم نحس منه عينا ولا أثرا : مَتى هذَا وزادوا في الاستهزاء بتسميته وعدا فقالوا : الْوَعْدُ أي الذي تهددوننا به تارة تلويحا وتارة تصريحا ، عجلوه لنا . وألهبوا وهيجوا زيادة في التكذيب بقولهم : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * ولما كان الحازم من لا يتهكم بشيء إلا إذا استعد له بما هو محقق الدفع ، بين سفههم بإتيانها بغتة وبأنه لا بد من وقوعها ، وأنها بحيث تملأ السماوات والأرض ، فكأنه لا شيء فيهما غيرها بقوله : ما يَنْظُرُونَ أي مما يوعدون ، ويجوز أن يكون بمعنى « ينتظرون » لأن استبطاءهم لها في صورة الانتظار وإن أرادوا به الاستهزاء ، وجرد الفعل تقريبا لها لتحقق وقوعه إِلَّا صَيْحَةً وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله : واحِدَةً وهي النفخة الأولى المميتة ، واقتصر في تأكيد الوحدة على هذا بخلاف ما يأتي في المحيية لأنهم لا ينكرون أصل الموت تَأْخُذُهُمْ أي تهلكهم ؛ وبين غرورهم بقوله : وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * أي يختصمون أي يتخاصمون في معاملاتهم على غاية من الغفلة ، ولعله عبر بذلك إشارة بالإدغام اللازم عنه التشديد إلى تناهي الخصام بإقامة أسبابه أعلاها وأدناها إلى حد لا مزيد عليه ، لأن التاء معناه عند أهل اللّه انتهاء التسبيب إلى أدناه ، وكل ذلك إشارة إلى أنهم في وقت الصعق يكونون في أعظم الأمان منها ، لأن إعراضهم عنها بلغ إلى غاية لا مزيد عليها ، ويشير الإدغام أيضا إلى أن خصومتهم في غاية الخفاء بالنسبة إلى الصيحة ، وإن بلغت الخصومة النهاية في الشدة ، ولم يقرأ أحد « يختصمون » بالإظهار إشارة إلى أنه لا يقع في ذلك الوقت خصومة كاملة حتى تكون ظاهرة بل تهلكهم الصيحة قبل استيفاء الحجج وإظهار الدلائل ، فمنها ما كان ابتدأ فيه أصحابه فأوجزوا - بما أشارت إليه قراءة حمزة بإسكان الخاء وكسر الصاد مخففا ، ومنها ما كان متوسطا وفيه خفاء وعلو - بما أشار إليه تشديد الصاد مع اختلاس فتحة الخاء ، ومنها ما هو كذلك وهو إلى الجلاء أقرب - بما أشار إليه إخلاص فتحة الخاء مع تشديد الصاد ، وأشار من قرأه كذلك مع كسر الخاء إلى التوسط مع الخفاء والسفول ، واللّه أعلم . ولما كانت هذه هي النفخة المميتة ، سبب عنها قوله : فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً